ابن كثير

312

البداية والنهاية

الخلق لين الشيمة [ سعى لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعهده ] قال : تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال : " إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا " وإنك إن عصيتني لأطيعنك . فسلم أبو عبيدة الامارة لعمرو بن العاص ( 1 ) . وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الاسلام ( 2 ) وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بني بلي فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يتألفهم بذلك ، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلاسل - وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل - قال : فلما كان عليه وخاف بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر ، وقال لأبي عبيدة حين وجهه " لا تختلفا " فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه ، قال له عمرو : إنما جئت مددا لي ، فقال له أبو عبيدة : لا ، ولكني على ما أنا عليه ، وأنت على ما أنت عليه . وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا ، هينا عليه أمر الدنيا . فقال له عمرو : أنت مددي ، فقال له أبو عبيدة : يا عمرو إن رسول الله ص قد قال لي " لا تختلفا " وإنك إن عصيتني أطعتك ، فقال له عمرو : فإني أمير عليك وإنما أنت مدد لي ، قال : فدونك فصلى عمرو بن العاص بالناس ( 3 ) . وقال الواقدي : حدثني ربيعة ابن عثمان ، عن يزيد بن رومان : أن أبا عبيدة لما آب إلى عمرو بن العاص فصاروا خمسمائة فساروا الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلي ودوخها ( 4 ) ، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا بك تفرقوا حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلي وعذرة وبلقين ولقي في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير ، فاقتتلوا ساعة ، وتراموا بالنبل ساعة ، ورمي يومئذ عامر بن ربيعة وأصيب ذراعه ، وحمل المسلمون عليهم فهزموا ، وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا ودوخ عمرو ما هناك ، وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه ، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم . فكانوا ينحرون ويذبحون ، ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك ، ولم تكن [ لهم ] غنائم تقسم ( 5 ) . وقال أبو داود : ثنا ابن المثنى ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عمرو بن العاص . قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، قال : فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ " قال : فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت : إني سمعت .

--> ( 1 ) ما بين معكوفين من البيهقي ، والخبر في الدلائل ج 4 / 398 - 399 . ( 2 ) في ابن هشام إلى الشام ، وفي دلائل البيهقي عن ابن إسحاق إلى الاسلام وهو الصواب . ( 3 ) سيرة ابن هشام ج 4 / 272 . ( 4 ) دوخ البلاد : قهرها واستولى على أهلها ( الصحاح ) . ( 5 ) مغازي الواقدي 2 / 771 وما بين معكوفين من رواية البيهقي عن الواقدي 4 / 401